السنة الأمازيغية احتفال متجذر في التاريخ والهوية المغربية
السنة الأمازيغية تعد من أقدم المناسبات الاحتفالية في تاريخ شمال إفريقيا، إذ تعود جذورها إلى قرون موغلة في القدم، حيث ارتبطت ارتباطا وثيقا بالحياة الفلاحية والطقوس الزراعية، لتصبح بذلك رمزا للخصوبة والتجدد والارتباط بالأرض. هذا العيد، الذي يصادف عادة يوم 12 أو 13 يناير من كل عام ميلادي، يشكل مناسبة يحتفي فيها الأمازيغ ببداية عام جديد وفق تقويمهم الفلاحي الذي يسبق التقويم الميلادي بحوالي 950 سنة. ولا يقتصر هذا الحدث على كونه احتفالا زمنيا، بل هو تعبير ثقافي وإنساني عن هوية ضاربة في التاريخ، تسعى من خلاله المجتمعات الأمازيغية إلى تجديد الصلة بالموروث والذاكرة الجماعية.
كما يكتسي هذا اليوم طابعا احتفاليا يجمع بين البهجة والتعبير عن الامتنان للطبيعة، حيث تقام طقوس متوارثة تعبر عن التفاؤل بالخير والرزق والبركة. وتختلف مظاهر الاحتفال من منطقة إلى أخرى، لكنها تتقاطع جميعا في روحها الجماعية التي تجمع الأسر حول مائدة تقليدية عامرة بالأكلات المحلية، وفيها تبرز القيم الأصيلة مثل التضامن، والاحترام، والاعتزاز بالانتماء. وبذلك يتحول هذا العيد من مناسبة فلاحية إلى محطة رمزية تعيد للأمازيغ هويتهم المميزة التي صمدت رغم مرور القرون.
السنة الأمازيغية أصلها وتاريخها العريق:

يرجع أصل السنة الأمازيغية إلى حدث تاريخي يعود إلى سنة 950 قبل الميلاد، حين تمكن الملك الأمازيغي شيشنق الأول من الانتصار على الفرعون رمسيس الثالث في معركة خلدها التاريخ. وقد اعتبر هذا الانتصار بداية للتقويم الأمازيغي الذي اعتمدته شعوب شمال إفريقيا كتقويم رسمي مرتبط بالأرض والزراعة والفصول. ومنذ ذلك الحين، أصبح الأمازيغ يحتفلون ببداية كل عام جديد كرمز للتجدد والانتصار والبداية الجديدة.
ويعد هذا التقويم من بين أقدم التقاويم المعتمدة في العالم، إذ يرمز إلى عمق الحضارة الأمازيغية وامتدادها في الزمان والمكان. فالأمازيغ، باعتبارهم السكان الأصليين لشمال إفريقيا، لم ينظروا إلى الزمن من منظور حسابي فحسب، بل من زاوية العلاقة بين الإنسان والطبيعة. ومن هنا جاء اختيار بداية السنة في منتصف يناير، وهو موعد يتزامن مع انتهاء موسم البذر وبداية مرحلة جديدة من العطاء. هذا الارتباط العميق بالأرض جعل الاحتفال يحمل دلالات روحانية وثقافية تؤكد أن الزمن عند الأمازيغ هو دورة حياة متجددة، لا تنفصل عن البيئة ولا عن الإيمان بقوانين الكون.
السنة الأمازيغية ورمزية الاحتفال الفلاحي:
إن احتفال الأمازيغ ب السنة الأمازيغية يعكس علاقة الإنسان بالأرض، فهو احتفال بنهاية موسم فلاحي وبداية موسم جديد يرمز إلى الأمل والخصب. ففي هذا اليوم، يتبادل الناس التهاني ويتمنون لبعضهم عاما زراعيا غنيا بالمحاصيل، وتقام طقوس ترمز إلى الوفرة، مثل نثر الحبوب في المزارع أو إشعال النار في الساحات كعلامة على طرد النحس وجلب الحظ. كما يتم إعداد أطباق تقليدية تعتمد في أساسها على منتجات الأرض، كالكسكس باللحم والخضر أو طبق “تاكلا” المصنوع من الدقيق والحليب والعسل.
وترمز هذه الطقوس إلى الامتنان للطبيعة والتصالح مع مواسمها، كما تبرز من خلالها القيم الفلاحية القديمة التي لا تزال حاضرة في الذاكرة الشعبية. فالاحتفال هنا ليس مجرد مناسبة زمنية بل فعل رمزي يعيد للأرض مكانتها المقدسة، إذ ينظر إليها كمصدر للحياة والرخاء. وبذلك، تتحول السنة الأمازيغية إلى عيد يربط الماضي بالحاضر، ويذكر الأجيال الجديدة بأهمية الزراعة واحترام البيئة والعيش في انسجام مع قوانين الكون.
الطقوس والعادات الشعبية في هذه السنة:

تتميز السنة الأمازيغية بتنوع طقوسها وعاداتها الشعبية، إذ تختلف مظاهرها من منطقة إلى أخرى، لكنها تتشابه في جوهرها الذي يجمع بين الفرح والتجدد. ففي مناطق الأطلس والريف وسوس، تقام احتفالات جماعية تقدم فيها الأطباق التقليدية التي تعد خصيصا لهذه المناسبة مثل “أوركيمن” أو “أوركيم”، وهي وجبة من الحبوب المطبوخة بالحليب، إضافة إلى “أرفيس” و”الكسكس بالسبع خضر”، وكلها رموز للخصوبة والبركة. كما تزين المنازل بالزرابي والأواني الفخارية، وتشعل النار في فناء الدار كإشارة إلى طرد الأرواح الشريرة واستقبال النور والخير.
وترافق هذه الاحتفالات أجواء فنية مفعمة بالحيوية، حيث تقام الرقصات والأهازيج الأمازيغية الشعبية مثل “أحواش” و”أحيدوس”، وترتدى الأزياء التقليدية المطرزة والمزينة بالحلي الفضية. أما الأطفال، فيمنحون الهدايا والحلوى، في حين تتجمع العائلات حول المائدة في أجواء من الدفء والفرح. كل هذه التفاصيل تجعل من هذا اليوم احتفالا جماعيا يعكس تماسك المجتمع الأمازيغي، وحرصه على نقل تراثه وعاداته جيلا بعد جيل.
الاحتفال بهذه السنة والهوية الثقافية المغربية:
إن السنة الأمازيغية ليست مجرد مناسبة محلية، بل هي تعبير عن أحد أركان الهوية المغربية المتعددة الروافد. فالمغرب بلد يجمع بين المكونات العربية والأمازيغية والإفريقية والأندلسية، وقد استطاع أن يخلق من هذا التنوع ثراء ثقافيا فريدا. ويعد هذا العيد مناسبة للتأكيد على أهمية الاعتراف بالتعدد الثقافي واحترام جميع المكونات التي صنعت الشخصية المغربية. ومع إدراج اللغة الأمازيغية كلغة رسمية في دستور 2011، اكتسبت هذه المناسبة زخما جديدا، إذ أصبحت تحتفى بها في المدارس والمؤسسات والجمعيات الثقافية.
ومن خلال الاحتفال بها في المدن الكبرى إلى جانب القرى، أصبح هذا العيد رمزا للوحدة الوطنية التي تقوم على التنوع والاختلاف الإيجابي. كما أنه يفتح المجال أمام النقاش حول ضرورة إدماج الموروث الأمازيغي في المشهد الثقافي والفني والتعليمي، بما يضمن استمرارية هذا التراث في حياة الأجيال القادمة. فالسنة الأمازيغية أصبحت اليوم جزءا من الذاكرة الوطنية المشتركة، ووسيلة للتعبير عن الانتماء لهوية مغربية غنية ومتجذرة.
السنة الأمازيغية في العصر الحديث ودورها في الحفاظ على التراث:

في العصر الحديث، أخذت السنة الأمازيغية بعدا مؤسسيا أكبر، إذ لم تعد تقتصر على الطابع العائلي أو القروي، بل أصبحت تنظم حولها مهرجانات ثقافية وندوات فكرية تسلط الضوء على تاريخ الأمازيغ وتراثهم. كما تلعب الجمعيات الثقافية والمدارس دورا بارزا في ترسيخ هذا الاحتفال في أذهان الشباب، من خلال أنشطة فنية وتعليمية تعرفهم بمعانيه ورموزه. فالمناسبة باتت فرصة لإعادة إحياء اللغة الأمازيغية، وتشجيع الإبداع الأدبي والموسيقي المستلهم من التراث.
وتتجاوز أهمية هذه المبادرات البعد الاحتفالي إلى كونها وسيلة للحفاظ على الذاكرة الجماعية في وجه العولمة الثقافية. فهي تسهم في ترسيخ قيم التعدد والانفتاح والاعتزاز بالهوية، وتؤكد أن الثقافة الأمازيغية ليست مجرد إرث من الماضي، بل هي عنصر حي ومتجدد في حاضر المغرب ومستقبله. ومن خلال الاهتمام الرسمي والشعبي المتزايد بهذا العيد، يثبت المغاربة أنهم شعب يحترم تنوعه الثقافي ويعتز بجذوره التاريخية.
تميز الاحتفالات الأمازيغية:
يعتبر الاحتفال برأس السنة الأمازيغية حدثا ثقافيا وإنسانيا بالغ الأهمية، يجسد روح الاستمرارية والتجدد في الحياة المغربية. فهو ليس مجرد تقويم زمني، بل مناسبة تعيد إحياء قيم التضامن والاعتزاز بالهوية والانتماء للأرض. من خلال طقوسه المتوارثة وأجوائه المفعمة بالفرح، يعبر المغاربة عن احترامهم للماضي واحتفائهم بالحاضر واستعدادهم لمستقبل مليء بالأمل والعطاء.
وهكذا، يظل هذا العيد تجسيدا لهوية متعددة الألوان، غنية برموزها الثقافية والتاريخية. وبين ما يحمله من أصالة عريقة وتطلعات معاصرة، تبقى السنة الأمازيغية مناسبة تجمع بين الماضي والحاضر، وتذكيرا سنويا بقيمة التنوع الذي يشكل جوهر الشخصية المغربية.
